محمد جمال الدين القاسمي

473

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

والمملوك ، والسلطان والصعلوك ، والعاقل والجاهل ، والمفضول والفاضل . فيكون الإذعان لهم أشبه بالاضطراريّ منه بالاختياريّ النظريّ . يعلمونهم ما شاء اللّه أن يصلح به معاشهم ومعادهم . وما أراد أن يعلموه من شؤون ذاته وكمال صفاته . وأولئك هم الأنبياء والمرسلون . فبعثه الأنبياء ، صلوات اللّه عليهم ، من متممات كون الإنسان . ومن أهم حاجاته في بقائه . ومنزلتها من النوع منزلة العقل من الشخص . نعمة أتمها اللّه : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ . ثم قال ، في الكلام على وظيفة الرسل عليهم السلام : تبين مما تقدم في حاجة العالم الإنسانيّ إلى الرسل ، أنهم من الأمم بمنزلة العقول من الأشخاص ، وأن بعثتهم حاجة من حاجات العقول البشرية ، قضت رحمة المبدع الحكيم بسدادها ، ونعمة من واهب الوجود ميّز بها الإنسان عن بقية الكائنات من جنسه . ولكنها حاجة روحية ؛ وكل ما لامس الحسّ منها ، فالقصد فيه إلى الروح وتطهيرها من دنس الأهواء الضالة وتقديم ملكاتها . أو إيداعها ما فيه سعادتها في الحياتين . أمّا تفصيل طرق المعيشة ، والحذق في وجوه الكسب ، وتطاول شهوات العقل إلى درك ما أعدّ للوصول إليه ، من أسرار العلم - فذلك مما لا دخل للرسالات فيه . إلا من وجه العظة العامة ، والإرشاد إلى الاعتدال فيه ، وتقرير أن شرط ذلك كله أن لا يحدث ريبا في الاعتقاد بأن للكون إلها واحدا قادرا عالما حكيما متصفا بما أوجب الدليل أن يتصف به ، وباستواء نسبة الكائنات إليه في أنها مخلوقة له وصنع قدرته . وإنما تفاوتها فيما اختص به بعضها من الكمال . وشرطه أن لا ينال شيء من تلك الأعمال السابقة أحدا من الناس بشرّ في نفسه أو عرضه أو ماله ، بغير حق يقتضيه نظام عامة الأمة ، على ما حدد في شريعتها . يرشدون العقل إلى معرفة اللّه وما يجب أن يعرف من صفاته . ويبيّنون الحدّ الذي يجب أن يقف عنده في طلب ذلك العرفان . على وجه لا يشق عليه الاطمئنان إليه ، ولا يرفع ثقته بما آتاه اللّه من القوة . يجمعون كلمة الخلق على إله واحد لا فرقة معه ، ويخلون السبيل بينهم وبينه وحده . وينهضون نفوسهم إلى التعلق به في جميع الأعمال والمعاملات ؛ ويذكرونهم بعظمته بفرض ضروب من العبادات ، فيما اختلف من الأوقات . تذكرة لمن ينسى . وتزكية مستمرة لمن يخشى . تقوّي ما ضعف منهم . وتزيد المستيقن يقينا . يبيّنون للناس ما اختلفت عليه عقولهم وشهواتهم وتنازعته مصالحهم ولذاتهم . فيفصلون في تلك المخاصمات بأمر اللّه الصادع . ويؤيدون ، بما يبلغون عنه ، ما تقوم